فخر الدين الرازي
120
تفسير الرازي
الكذب والافتراء . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : هل يكذب المؤمن ؟ قال : " لا " ثم قرأ هذه الآية ، والله أعلم . قوله تعالى * ( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ باِلإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَوةَ الْدُّنْيَا عَلَى الاَْخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الاَْخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ ) * اعلم أنه تعالى لما عظم تهديد الكافرين ذكر في هذه الآية تفصيلاً في بيان من يكفر بلسانه لا بقلبه ، ومن يكفر بلسان وقلبه معاً ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( من كفر بالله من بعد إيمانه ) * مبتدأ خبره غير مذكور ، فلهذا السبب اختلف المفسرون وذكروا فيه وجوهاً : الأول : أن يكون قوله : * ( من كفر ) * بدلاً من قوله : * ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) * والتقدير : إنما يفتري من كفر بالله من بعد إيمانه ، واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء ، وعلى هذا التقدير : فقوله : * ( وأولئك هم الكاذبون ) * اعتراض وقع بين البدل والمبدل منه . الثاني : يجوز أيضاً أن يكون بدلاً من الخبر الذي هو الكاذبون والتقدير : وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه ، والثالث : يجوز أن ينتصب على الذم ، والتقدير : وأولئك هم الكاذبون ، أعني من كفر بالله من بعد إيمانه وهو أحسن الوجوه عندي وأبعدها عن التعسف ، والرابع : أن يكون قوله : * ( من كفر بالله من بعد إيمانه ) * شرطاً مبتدأ ويحذف جوابه ، لأن جواب الشرط المذكور بعده يدل على جوابه كأنه قيل : من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله